أكد عددٌ من المختصين والمعنيين لوكالة الأنباء العُمانية أهمية تعزيز الوعي بالمسؤولية القانونية والأخلاقية، وترسيخ ثقافة المواطنة الرقمية القائمة على المشاركة الواعية والمسؤولة في منصات التواصل الاجتماعي، في ضوء ما يترتب على استخدامها من آثار قانونية واجتماعية تمس الأفراد والمجتمعات والعلاقات بين الشعوب.
وتبرز أهمية الوعي بالسلوك الرقمي المسؤول في ضوء ما أكد عليه بيان النيابة العامة بشأن التحلي بالوعي وإبداء الرأي المسؤول والحكمة في الأقوال والتصرفات، لا سيما في منصات التواصل الاجتماعي، والابتعاد عن كل ما من شأنه الإساءة إلى الدول أو رموزها أو شعوبها، أو المساس بالعلاقات التي تربط سلطنة عُمان بها.

المسؤولية القانونية والمواد المنظمة..
وقال المحامي الدكتور أحمد بن عبدالله الشنفري، إن بيان النيابة العامة يؤكّد أنّ الإطار القانوني العُماني يكفل حرية التعبير في حدود القانون، وأنّ المسؤولية الفردية عن المحتوى المنشور أو المتداول مسؤولية شخصية ومباشرة تخضع لضوابط قانونية محددة، مشيرًا إلى أنّ المسؤولية القانونية عن المحتوى الرقمي تستند إلى التشريعات النافذة من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6١ / 2026.
وبيّن أنّ:
المسؤولية والعقوبة التأديبية لا تقتصر فقط على الناشر الأصلي، بل تمتد إلى كل من يقوم بالنشر أو إعادة النشر أو المشاركة أو التحريض أو المساعدة أو الاتفاق على ارتكاب الفعل المجرم، وفقًا لأحكام القانون، وتنطبق هذه المسؤولية على الأفراد سواء كانوا من مستخدمي المنصات العاديين أو من الناشطين أو صانعي المحتوى.
وأوضح أنّ:
بيان النيابة العامة يسهم في رفع مستوى الوعي بالمسؤولية المترتبة على النشر والتداول، وذلك من خلال التوجيه الوقائي الذي يذكّر المستخدمين بأن حرية التعبير ليست مطلقة، بل تخضع للضوابط القانونية.
وأضاف أن:
البيان يجمع بين التوعية بأهمية الاستخدام المسؤول للمنصات الرقمية والتأكيد على اتخاذ الإجراءات القانونية عند وقوع المخالفات، بما يعزّز الوعي بالحقوق والمسؤوليات، ويسهم في حماية المجتمع وصون استقراره والحفاظ على العلاقات التي تربط سلطنة عُمان بالدول والشعوب الأخرى.
وأكّد أنّ:
هذا النهج يحقق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية، ويعزّز حماية الاستقرار المجتمعي والعلاقات الخارجية، بما يحافظ على الصورة الذهنية التاريخية التي ارتبطت بأخلاق أهل عُمان وقيمهم.
واختتم حديثه بالتأكيد على أنّ:
الإطار القانوني العُماني واضح في تحديد مسؤولية الأفراد عن محتواهم الرقمي، ويضع ضوابط دقيقة تحمي النظام العام والآداب والعلاقات الخارجية للدولة، بينما يبقي باب التعبير المسؤول مفتوحًا وفق أخلاق الدولة ومبادئها والسمت العُماني الأصيل، ويأتي بيان النيابة العامة تعزيزًا لهذا الإطار من خلال رفع مستوى الوعي وترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي.

من جهته، قال المحامي أحمد بن سعيد اللويهي، إنّ:
دعوة النيابة العامة إلى التحلي بالوعي والحكمة في استخدام منصات التواصل الاجتماعي تؤكد أن حرية التعبير يجب أن تُمارس في إطار من المسؤولية القانونية، وأن ما ينشره الشخص أو يعيد تداوله عبر هذه المنصات قد تترتب عليه آثار قانونية متى توافرت أركان الجريمة.
وأشار إلى أنّ:
الإشكالية تكمن في أن بعض المستخدمين يتعاملون مع إعادة نشر الأخبار والمقاطع والتعليقات باعتبارها مجرد تفاعل إلكتروني، دون التحقق من صحتها أو فهم سياقها، في حين أن هذا التصرف قد يشكّل مخالفة قانونية إذا انطوى على أحد الأفعال التي يجرّمها القانون.
وتابع حديثه موضحًا أنّ:
بيان النيابة العامة يشير إلى المواد (20 و23 و26) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهي نصوص تتناول صورًا مختلفة من الأفعال المجرّمة عبر الوسائل التقنية، فالمادة (20) تعاقب على استخدام وسائل تقنية المعلومات في نشر أو إعادة نشر محتوى من شأنه الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة، وكذلك الشائعات أو المعلومات المضللة، وتشتد العقوبة في الحالات التي حددها النص إذا اقترن الفعل بالقصد الخاص المتمثل في إثارة الفتنة أو الكراهية أو العنصرية أو الطائفية أو الفرقة أو إيذاء النفس.
وتتطرق في حديثه إلى أنّ:
المادة (23) تتناول نشر الأخبار أو البيانات أو الشائعات الكاذبة أو المغرضة، أو بث الدعاية المثيرة، متى كان ذلك بقصد الإضرار بسمعة الدولة أو مكانتها أو هيبتها أو الإضرار بالمصالح الأخرى التي حددها النص، في حين تتعلق المادة (26) بالطعن علانية في رؤساء الدول الأجنبية أو رؤساء حكوماتها أو ممثلي الدول الأجنبية المعتمدين لدى سلطنة عُمان، أو نشر ما من شأنه الإضرار بعلاقات أو مصالح سلطنة عُمان الخارجية، مؤكدًا أن هذه الأفعال تترتب عليها عقوبات جزائية متفاوتة، تشمل السجن والغرامة، وفقًا للمادة المنطبقة وطبيعة الفعل والظروف المحيطة به.
وبيّن أن:
ترجمة هذا البيان إلى سلوك رقمي مسؤول تبدأ بالتثبت من مصدر المعلومات وصحتها، وفهم سياقها قبل تداولها، وتجنب نشر الشائعات أو المحتوى الذي قد يمس بالدول أو رموزها أو شعوبها أو يضر بالعلاقات الخارجية لسلطنة عُمان.
وأضاف أنّ:
الرسالة الأساسية التي ينبغي أن تصل إلى مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي هي أن سرعة النشر لا تعفي من المسؤولية، وأن إعادة تداول المحتوى ليست دائمًا تصرفًا محايدًا؛ فالوعي الحقيقي هو أن يعرف الإنسان حدود حقه في التعبير، ويمارس هذا الحق بحكمة واحترام للقانون، بعيدًا عن الانفعال أو السعي وراء الانتشار والمشاهدات.
وفيما يتعلق بالأبعاد الإعلامية والاجتماعية وما يتركه من آثار في تشكيل الانطباعات والعلاقات بين المجتمعات، قال يونس بن علي المعمري باحث في علم الاجتماع، إنه:
لوحظ في الآونة الأخيرة ارتفاع مستوى اللغط الرقمي في مجتمعاتنا الخليجية والعربية، ويعود ذلك لأسباب كثيرة منها ما يسمى بالذباب الإلكتروني، والواقع أن هذه الغوغاء الإلكترونية تسبب تصدعًا وتهشمًا في صورة الأخوّة والألفة والعلاقات الطيبة بين الدول والمجتمعات، مما يؤدي لاحقًا إلى مشكلات اجتماعية وثقافيّة واقتصادية عميقة، قد لا نستطيع معالجتها في وقت قصير.
وأوضح أنه:
من ناحية اجتماعية أعمق، فإنه ينتج أجيالاً تكره بعضها، وتنشئ على التشتت والتفرقة الاجتماعية، مما يسهل في وقت لاحق تفكيكها، وإضعاف الروابط بينها، في سبيل إضعاف الدول ومؤسساتها، ورسم صورة سيئة عن هذه المجتمعات لدى الآخر، الأمر الذي سيؤثر لا محالة على مستقبل التفاعل معها.
وأكّد أهمية اضطلاع المؤسسات المختصة والمجتمع المدني، بدور فاعل في إعادة الخطاب إلى جادة الصواب، وترسيخ السلوك المسؤول في الفضاء الرقمي، وإعادة صياغة أخلاقيات التفاعل الإلكتروني انطلاقًا من الثوابت الدينية والأخلاقية والاجتماعية التي تتسم بالصدق ونبذ التفرقة وبذاءة الألفاظ، وتدعو إلى حسن الخطاب، واحترام الآخر، والاستماع والإنصات والتغافل، وحمل الخطاب على محامل إيجابية.
وأشار إلى:
أهمية تحقيق ذلك من خلال وضع الأنظمة والقوانين والتوعية بصورة أعمق بهذه الإشكالية ونتائجها على المستويين القريب والبعيد، إلى جانب توجيه الأسرة إلى تكثيف مسألة الأخلاق الإلكترونية وآداب الحديث عند الناشئة وعامة الشباب، وكذلك وسائل الإعلام عليها دور كبير في تغيير هذا التوجه الخطير وإعادته إلى الإعلام الأخلاقي المسؤول بمختلف أشكاله ومستوياته بما يعزّز قيم التسامح والتآلف والاحترام المتبادل بين المجتمعات، ويُسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة والحد من الخطابات التي تغذي الفرقة والكراهية.

المواطنة الرقمية والوعي الأسري..
وفي سياق تعزيز الوعي بالمواطنة الرقمية، قالت الدكتورة حنان بنت محمود أحمد باحثة في الهوية الوطنية، إنّ الفضاء الرقمي لم يعد مجرد عالم افتراضي منفصل أو مساحة للترفيه، بل أصبح امتدادًا للحياة الاجتماعية والثقافية، تتشكّل فيه الآراء والانطباعات وتتأثر من خلاله طبيعة العلاقات بين الأفراد والمجتمعات، الأمر الذي يجعل ترسيخ ثقافة المواطنة الرقمية ضرورة من أجل تعزيز الاستخدام المسؤول واحترام الآخرين، والتحلي بالحكمة في التعبير والتفاعل عبر مختلف المنصات الرقمية.
وأكّدت أنّ:
تحويل المواطنة الرقمية من مفاهيم نظرية إلى سلوك ملموس يبدأ من مرحلة الطفولة، عبر التنشئة الأسرية السليمة والتكامل بين الأسرة والمؤسسات التعليمية في بناء الوعي الرقمي لدى النشء والشباب، وتنمية قدرتهم على التمييز بين السلوك المسؤول والممارسات التي تضر بالآخرين أو بالمجتمع.
وأشارت إلى أنّ:
غياب هذا الوعي يؤدي إلى ممارسات سلبية، من بينها تداول الشائعات والمشاركة في التعليقات المسيئة مما يستدعي تعزيز التفكير الواعي قبل النشر، والتحقق من مصادر المعلومات، والتعامل مع المحتوى المضلل بحكمة ومسؤولية.
وأضافت أنّ:
التعامل الواعي مع المحتوى المسيء أو الشائعات التي تمس الوطن ورموزه يتطلب الابتعاد عن ردود الفعل المتسرعة، والتعامل مع هذه المواقف بمسؤولية عبر القنوات المناسبة، بما يعزز ثقافة الحوار ويحفظ حقوق الآخرين، ويجعل من المواطنة الرقمية ممارسة مستدامة تعكس وعي الفرد بمسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه.
التأثير الشبكي وسرعة انتشار المحتوى..
وفي سياق متصل، قال حسن بن علي العجمي مختص في أمن المعلومات وإدارة الأزمات لوكالة الأنباء العُمانية: إن أدوات إعادة النشر والتعليق والمشاركة في منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في إحداث تحول جذري في سرعة انتشار المحتوى واتساع نطاق تأثيره، حيث لم يعد وصول المنشور مقتصرًا على متابعي الحساب الأصلي، بل أصبح كل مستخدم نقطة انطلاق جديدة لنشره إلى آلاف المستخدمين خلال دقائق.
وأوضح أنّ:
هذه الظاهرة تعتمد على ما يُعرف بـالتأثير الشبكي والتضخيم الخوارزمي، إذ تسهم التفاعلات المتتالية في زيادة فرص ظهور المحتوى وانتشاره بين مستخدمين آخرين عبر شبكات متعددة، مشيرًا إلى أن خطورة هذه السرعة تكمن في إمكانية انتشار الشائعات والمعلومات المضللة على نطاق واسع قبل التحقق من صحتها، مما يجعل الرصد المبكر والاستجابة السريعة ضرورة لحماية الوعي المجتمعي من المخاطر المترتبة على تداول المعلومات غير الدقيقة والتفاعل مع المحتوى المضلل.
وعن المتطلبات التوعوية والتقنية، أكّد على:
أهمية نشر ثقافة الوعي الرقمي وتعريف المستخدمين بكيفية عمل خوارزميات المنصات، وتشجيعهم على التفكير والتحقق قبل التفاعل، إلى جانب تطوير أدوات أكثر فاعلية للكشف عن المحتوى المضلل وتنبيه المستخدمين إلى مدى موثوقية مصادره.
وشدّد على:
أهمية التحلي بالوعي والاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، وإدراك أن حرية التعبير والتفاعل تقابلها مسؤولية أخلاقية ومجتمعية، وأن ما يشاركه المستخدم أو يتفاعل معه قد يؤثر في آراء الآخرين وقناعاتهم، موضحًا أنّ المسؤولية الرقمية لا تقتصر على التفكير قبل النشر، بل تشمل إدراك أثر كل إعجاب وتعليق وإعادة نشر، فليس كل ما يصل إلى المستخدم يستحق أن ينقله إلى الآخرين.









