التوجيهات السامية.. خارطة طريق وطنية لصون القيم وتعزيز السلوك الإيجابي في الفضاء الرقمي

الحمداني: المجتمع العُماني يعيش طورًا مهمًّا من أطوار التغيّر الاجتماعي.
أرشيفية
أرشيفية

السبت,10 يناير , 2026 9:50ص

تمثّل التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم ـ حفظه الله ورعاه ـ لمجلس الوزراء، لدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، خارطةَ طريق وطنية لصون القيم، عبر دراسة المتغيرات السلوكية المرتبطة بالتقنيات الحديثة، ووضع سياسات واضحة ومحوكمة لمعالجة آثار منصات التواصل الاجتماعي السلبية، بما يضمن صون تماسك المجتمع وهويته الوطنية.

وأكّد عددٌ من المختصين والمعنيين لوكالة الأنباء العُمانية أنّ:

التوجيهات السامية لجلالة السُّلطان المُعظّم ـ أعزّه الله ـ تلامس حاجةً ملحّة في ظل التحدّيات التي أوجدتها التطوُّرات التقنية المعاصرة، مشيرين إلى أنّ وضع حوكمة واضحة للسلوك الرقمي في منصات التواصل الاجتماعي سيُعزّز من قدرة المجتمع على مواجهة الظواهر السلبية، مثل تراجع الروابط الأسرية وضعف تأثير النماذج الإيجابية في الفضاء الإلكتروني.

وقال الباحث الاجتماعي مبارك بن خميس الحمداني:

إنّ التوجيهات السامية تأتي استجابةً لواقع تُفرزه مجموعة من العوامل المتقاطعة التي نتجت عنها جملة من الظواهر الاجتماعية، وهي عملية تحدث بشكل طبيعي في مختلف المجتمعات.

الباحث الاجتماعي مبارك بن خميس الحمداني.

وأضاف أنّ:

المجتمع العُماني يعيش طورًا مهمًّا من أطوار التغيّر الاجتماعي، تتفاعل فيه عوامل عدة، من بينها الانفتاح على الثقافات العالمية، والتحوّل إلى أنماط الاتصال الافتراضي، واستكشاف أنماط جديدة في حياة المجتمعات الأخرى.

وأشار إلى أنّ:

من بين هذه العوامل كذلك التغيّر في السياسات الحكومية التي تدفع باتجاه مجتمع أكثر مشاركة في عملية الإنتاج وديمومة الاقتصاد، وهو ما يفرض وجود سياسات اجتماعية موازية تحمي المجتمع خلال مرحلة الانتقال هذه.

وأكّد أنّ:

التوجيهات السامية تأتي في إطار فلسفة التنمية التي ترتكز على فكرة أنّ تحقيق النمو الاقتصادي، والاستدامة المالية، وتنفيذ أجندة التنمية الوطنية، لا يمكن أن يتأتى دون مجتمع متماسك ومستقر في حركته وتغيّره وتفاعله مع عمليات التنمية المختلفة.

وأضاف أنّ:

هناك مجموعة من الظواهر التي نشأت خلال العقد الماضي تحديدًا بفعل العوامل الداخلية والخارجية المشار إليها، ومنها التآكل النسبي في الروابط الاجتماعية، ولا سيما الروابط الأسرية، وانحسار مساحة الحوار داخل الأسرة بوصفها المكوّن الأصغر في المجتمع الأكبر؛ إذ يُعدُّ الحوار في ذاته رافعةً مهمة لمراجعة الكثير من الاتجاهات، ومساءلة أنماط القيم، وتصويب التوجهات، فضلًا عن كونه ناقلًا مهمًّا للإرث ومحددات السلوك الاجتماعي.

وأشار إلى أنّ:

من بين الظواهر كذلك انحسار القدوات الإيجابية المحلية والقومية، مقابل تصاعد نماذج قدوات عالمية يصعب ضبطها من حيث القيم والتوجهات أو المحتوى، أو ما تحمله من أنماط في التفكير والتدبير، وهو ما قد يُولّد اختلافًا في المعايير لدى الأجيال الصاعدة، وتغيّر مفاهيمهم تجاه مفردات أساسية، منها الأسرة والنجاح والاستقرار الاجتماعي.

ولفت إلى أنّه:

بدأ يطفو على السطح مؤخرًا تراجعٌ لبعض القيم الأصيلة، وظهورُ بعض السلوكيات غير المنضبطة وغير المألوفة في المجتمع، مثل التنمّر والتحرّش، وتكوين الرفقة غير الصالحة، والانخراط في بعض السلوكيات الجرمية لدى بعض الفئات العمرية المبكرة، إضافةً إلى ظواهر الطلاق وغياب التوافق الزواجي والأسري.

ووضّح أنّ:

أحد أهم المحركات التي تسهم في بروز ذلك هو ثنائية الاستعراض والمقارنات؛ إذ يرى الفرد اليوم نفسه في سياق عالمي، وأصبح يكيّف نظرته ومفاهيمه ورؤيته للعالم في إطار قيم عالمية مفترضة، بعد أن كان يقارن نفسه ويضبط معايير تصرفاته في سياق أسري أو اجتماعي محدود، ما أفرز ظواهر مرتبطة بالسعي إلى الظهور والتقييم الاجتماعي الرقمي، وما ينتج عنها من ضغوط نفسية وتشوه في مفاهيم النجاح والقبول.

وأكّد على:

أهمية الحاجة إلى منظومة متكاملة للرصد الاجتماعي، قادرة على استباق الظواهر الاجتماعية قبل تعمّقها وتحولها إلى مشكلات مجتمعية، مشيرًا إلى الدور المهم لمؤسسات الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في تصدير القدوات الحسنة، وسرد قصص النجاح القائمة على القيم الفاضلة والمرغوبة.

ودعا مبارك بن خميس الحمداني مؤسسات التعليم، بمختلف مراحلها، إلى:

التركيز على المحتوى التعليمي الموجّه بالقيم، وإبراز أخلاقيات المجتمع في مقابل أخلاقيات العالم المفترضة، فضلًا عن أهمية دور المؤسسات الدينية في تطوير قاعدة مفاهيمية وتوجيهية تعزّز التزام الأفراد بالقيم الصالحة في إطار خدمة تماسك المجتمع واستقراره.

من جانبها قالت الدكتورة رقية بنت حميد الوهايبية رئيسة قسم اللغة الإنجليزية بالكلية المهنية بصحم:

إنّ التحولات السلوكية في المجتمع لم تعد مجرد مظاهر عابرة، ولا يمكن اختزالها في تأثيرات رقمية آنية؛ فهي باتت ملموسة وجلّية في لغة الناس، وأنماط تفاعلهم اليومي، والطريقة التي تتشكّل بها القدوات في وعي الأجيال.

الدكتورة رقية بنت حميد الوهايبية.

وأضافت أنّ:

هذا التحول الصامت والمتدرّج، هو ما يجعل السلوك اليوم قضية وعي قبل أن يكون قضية ضبط، ووفقًا لهذا الإدراك الشمولي، جاء التوجيه السامي لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم /حفظه الله ورعاه/ بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، بوصف السلوك ركيزة من ركائز الاستقرار الوطني أكثر من كونه تفصيلًا اجتماعيًّا هامشيًّا.

وأشارت إلى أنّ:

من بين أكثر مظاهر هذا التحول حضورًا وتأثيرًا، يبرز تغيّر مفهوم (القدوة)؛ فقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيله، حين انتقلتْ القدوة من كونها نموذجًا يُحتذى به عبر السلوك والمسؤولية والاتساق، إلى صورة تُستهلك عبر الشاشة! وفي واقعنا المعاصر، نرى كيف أصبح مقطع قصير أو رأي سريع قادرًا على إيجاد تأثير قد يتجاوز أثر سنوات من العطاء الصامت.

وأفادت بأنه:

مما لا شك فيه أن هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق؛ فأفراد المجتمع بطبيعتهم يبحثون عن رموز تهديهم وتنير لهم الطريق، وحين يضعف حضور القدوة الواقعية أو يبتعد عن الشباب أثرها الخالد، يملأ الفراغ الذي ولدّهُ مثل هذا الغياب البديلُ الرقمي، بما يحمله من إيجابيات ومخاطر.

ورأت أنّ:

تشخيص أثر القدوات الرقمية لا يكون بالإقصاء أو التعميم، وإنما بالفهم العميق. فالتجربة الأكاديمية والمجتمعية تُشير بوضوح إلى أنّ الشباب لا ينجذبون للسطحية بقدر انجذابهم إلى الشعور بالاعتراف والقيمة والانتماء.

ولفتت إلى أنه:

يتبلور من هنا السؤال الجوهري: أي قدوة نُقدّم لهم؟ وأي سلوك نطبع في أذهانهم؟ فالقدوة ليست محتوى فحسب، ولكنها نمط تفكير وسلوك يُعاد إنتاجه؛ وقد نبّه القرآن الكريم إلى الأثر الخالد الذي يتجاوز الفعل حين قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) في دلالة واضحة على أنّ السلوك مسؤولية، وأن أثره لا يقف عند صاحبه، فهو يمتد إلى من يراه ويقتدي به.

وذكرت أنه:

أمام هذا التحدي، يزخر الواقع العُماني بنماذج حيّة للقدوة الإيجابية لا زالت الذاكرة تستحضرها، تجلّت في مواقف وطنية راسخة من التلاحم المجتمعي خلال الأنواء المناخية، حيث تقدّم الفعل على القول، إلى الخطاب العُماني المتزن في المنصات الرسمية، الذي حافظ على الحكمة والاتزان في لحظات الاختبار. هذه النماذج لم تُصنع للانتشار، لكنها انتشرت لأنها صادقة ومتجذّرة في القيم المنبثقة من نسيج مجتمع يتكئ على إرثه الضارب في القدم وتجدده الواعي الذي ينهل من المعاصرة مبتغاه دون أن يتنكر لما لتاريخه من حكمة ودروس وعبر وقيم راسخة.

ترجمة التوجيه السامي لجلالة السُّلطان المُعظَّم ـ أعزه الله ـ إلى سياسات محوكمة تستدعي بناء منظومة واعية تعزّز حضور القدوة الإيجابية في الفضاء الرقمي: بدعم المحتوى القيمي، وتأهيل المؤثرين، وإدماج التربية الإعلامية في التعليم، وبناء شراكات مع من يصنعون الأثر الحقيقي. فحين تصبح القيم سياسة، والقدوة خيارًا وطنيًّا واعيًا، تتحول المنصات إلى مساحة وعي تؤكد رُقي المكان وإنسانه.

وبيّنت أنّ:

القدوة الحقيقية تُقاس بعمق الأثر، وتُبنى في اتساق السلوك عبر الزمن؛ وحين تلتقي قيادة واعية تستشرف المستقبل مع مجتمع حيّ يمتلك وعيه وقيمه، يصبح السلوك لغة الوطن الصامتة وقوته الناعمة، لغة لا تحتاج إلى إعلان؛ لأنها تُمارَس فتُصدَّق، وتُرى فتُحتذى.

واختتمت الدكتورة رقية بنت حميد الوهايبية حديثها بأنّ:

هذه الرؤية تتقاطع مع محاور التوجيه السامي لقائدٍ يجدد نهضة مستدامة لبلدٍ عريق وشعبٍ أسر الجميع برُقي سلوكه وقدرته على التكيّف مع مستجدات عصره دون أن يتنازل عن هويته، مما أعاد للسلوك مكانته بوصفه ركيزة للاستقرار، ومسارًا واعيًا لبناء الإنسان وحماية القيم في زمن التحوّل.

من جانبه، أكّد ناصر بن خلفان البادي، الواعظ الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، أنّ:

القيم الفاضلة والسلوكيات الحميدة تمثّل صمّام الأمان ومصدر القوة للمجتمع العُماني، والدافع الأساسي للإنسان في ميادين التنمية المختلفة، بما يضمن صون الهوية الوطنية وحفظ استقرار الوطن.

ناصر بن خلفان البادي.

وقال إنّ:

هذا التوجه يستند إلى المنطلقات الراسخة والتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم ـ حفظه الله ورعاه ـ بضرورة الاهتمام بالجانب السلوكي والقيمي للمجتمع العُماني الأصيل، المستمد لعراقته من تاريخ ممتد وحضارة متينة، مشيرًا إلى أنّ هذا الاهتمام يسهم بشكل فاعل في تحقيق محور «مجتمع إنسانه مبدع» ضمن رؤية “عُمان 2040″، وإنجاح أولوية “المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية”.

وأضاف أنّ:

تأكيد جلالة السُّلطان المعظّم ـ أعزّه الله ـ على إيجاد إطار من السياسات والآليات والحوكمة لترسيخ القيم، يعكس الرغبة في ضمان استدامة الممارسات الأخلاقية وتوسيع حضورها في مختلف القطاعات والأنشطة، بما يمهّد الطريق لتحقيق نجاح مستدام بسواعد أبناء الوطن المتحلّين بمكارم الأخلاق.

وحول دور المؤسسات الدينية، شدّد على:

أهمية تعزيز القيم المجتمعية عبر صياغة خطاب ديني يجمع بين الثبات على المبادئ والتجديد في الوسائل والأساليب، واستخدام لغة تقنية عصرية يفهمها الجيل الحالي، ومواكبة الطفرة التقنية والذّكاء الاصطناعي في إعداد وتقديم المحتوى القيمي.

وبيّن أنّ:

التلقّي لم يعد مقتصرًا على المسجد والمنبر فحسب، بل يتطلب الدخول بقوة إلى عالم إنتاج المقاطع المرئية، والألعاب الإلكترونية، والمنصات الرقمية، والمعارض التفاعلية، مشيرًا إلى أنّ وزارة الأوقاف والشؤون الدينية قطعت شوطًا كبيرًا في هذا الجانب.

وأكّد على:

ضرورة الاستعانة بالرصيد الاجتماعي الثري، وتفعيل دور الأسرة والمجتمع في بناء منظومة القيم، وأهمية مواكبة منصات التواصل الاجتماعي من خلال إبراز القدوات المؤثرة التي تجسّد القيم العُمانية بلغة بسيطة وجاذبة، تهدف إلى نشر ثقافة الحوار البنّاء وتفنيد الخطاب السلبي والهدّام.

ودعا إلى:

تكامل الأدوار بين المؤسسات الدينية والقانونية والثقافية والتربوية والشبابية والإعلامية، والعمل بروح الفريق الواحد عبر حزمة من المبادرات لتعزيز هذا التكامل، من بينها إنشاء فريق مشترك لدراسة المتغيرات السلوكية وسد الفجوات، وتصميم دليل استرشادي للقيم العُمانية يُطبّق في مختلف الأنشطة، ووضع خطة استراتيجية لصون القيم وفق مستهدفات ومؤشرات أداء محددة، تنبثق من رؤية “عُمان 2040”.